ابن الجوزي
173
بستان الواعظين ورياض السامعين
جذبة . فالمسكين يكابد غصص المنون ، داهش العقل كالمحزون . فاللّه اللّه عباد اللّه أفيقوا من سكراتكم . وانتبهوا من نوماتكم ، واستيقظوا من غفلاتكم ، قبل نزول المنية ، وحلول الرزية ، ووقع البلية . حيث لا مال نافع ، ولا حميم شافع ، ولا فرح واقع ، ولا رجاء طامع ، ولا حسنة تزاد ، ولا حياة تعاد ، ويزودك أحبابك بالصراخ ، ويكثرون عليك البكاء والنواح ، فلا عثرة تقال ، ولا رجعة تنال . وأنشدوا : ألا إن أيام الحياة مراحل * طريق الفتى منها إلى الموت ساحل يسر بما يمضي لما هو آمل * ويأتي الردي ( من ) دون ما هو آمل وما يومه إلّا غريم محكم * إذا ما اقتضاه نفسه لا يماطل عجبت لمن يبغي السلامة جاهدا * ومر الليالي كلهن غوائل ونحن بنو الأيام نظلم نفوسنا * ونرجع وهي القاتلات الثواكل ومن لحظ الدنيا بعين بصيرة * رأى عينها في نفسه وهو شائل [ 293 ] عظة من الغفلة أيها الإنسان - وكلنا ذلك الإنسان - استيقظ من غفلتك ، وهب من رقدتك . قد آن أن يدعى إليك الطبيب بجمع الدواء ، فلا يرجى لك مما نزل بك الشفاء . ثم يقال : فلان قد أوصى وجميع ما له قد أحصى . قد تبرأ من الدنيا وعلائقها ، وأقبل إلى الآخرة وحقائقها . ثم ضعف جنانك ، وثقل لسانك ، وانقطع عن كلامك فلا تكلم إخوانك ، وكثرت خطوبك ، وعظمت كروبك ، إذا عرضت عليك عند كشف الغطاء ذنوبك ، واشتدت الأحزان ، وعلا صراخ النسوان ، وحزن الصديق الودود ، وفرح العدو الحسود ، ثم يقال لك : هذا ولدك الصغير وهذا الكبير ، وهذه بنتك الكبرى ، وهذه شقيقتها الصغرى ، فلا ترد عليهم جوابا ، ولا يستطيع لسانك خطابا ، ثم اشتد بك النزع والسياق ، إذا التفت الساق بالساق ، وانتزع ملك الموت روحك الضعيف ، وعرج به إلى مولاك الرب اللطيف ، يجازيك على ما قدمت في سالف الأيام ، ويسألك عما اكتسبت من الحلال والحرام . وأمر بك إما إلى جنة عالية ، ذات نعيم وخلود ، وإما إلى نار حامية ذات جحيم ووقود ، وزودت من مالك حنوطا وكفنا ونزلت في رمسك بعملك مرتهنا . وانصرف أهلك لقسمة ما خلّفت من الأموال ، وما سعيت فيه من الحرام والحلال . وانشدوا :